بقلم: محمد باقر، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي في “جلف ماركتنج جروب”
قدم إغلاق مراكز التسوق والمراكز التجارية ضمن قطاع التجزئة في مختلف أرجاء دول مجلس التعاون الخليجي لمحة جلية عن التداعيات الاقتصادية التي تسببت بها جائحة “كوفيد-19”. وتقدّر الدراسة التي أجرتها شركة الأبحاث “جلوبال داتا” أن هذه الأزمة تسببت بخسائر في المبيعات بقيمة 13.5 مليار درهم في دولة الإمارات لوحدها خلال عام 2020. ومع ذلك، تشير عودة الإقبال مؤخراً على منافذ البيع بالتجزئة والنمو المستمر لتعاملات التجارة الإلكترونية إلى تجاوز المرحلة الأسوأ.
ولعب الدعم القوي المقدم من قبل الملاك خلال فترة تفشي الجائحة دوراً محورياً في مساعدة تجار وعلامات التجزئة على تجاوز التحديات والعقبات الناجمة عن فترات الإغلاق المطولة. وأعلنت “إعمار”، على سبيل المثال، عن حزم إعفاءات شملت الإيجار الأساسي عندما أغلقت المتاجر أبوابها بسبب الجائحة. كما أطلقت شركة التطوير العقاري الرائدة متجراً افتراضياً يمكّن علامات التجزئة في دبي مول من بيع منتجاتها عبر الإنترنت على موقع noon.com، لتوفر بذلك منفذاً مناسباً ومريحاً للعملاء يزودهم بإمكانية الوصول المستمر إلى علاماتهم التجارية المفضلة.
ويبشر تجاوز قطاع التجزئة الآن لتداعيات الجائحة بانتعاش أوسع نطاقاً على مستوى اقتصاد المنطقة. وفي دولة الإمارات، تتوقع غرفة تجارة وصناعة دبي أن تحقق مبيعات قطاع التجزئة نمواً بنسبة 13% لتصل إلى 58 مليار دولار بحلول نهاية عام 2021، مدفوعة بالطلب الاستهلاكي المكبوت وجهود التطعيم ضد مرض “كوفيد-“19 وانطلاق معرض “إكسبو 2020 دبي”. كما تتوقع الدراسة البحثية أيضاً أن تحافظ مبيعات التجزئة في الدولة على نموها الإيجابي السنوي بواقع 6.6% على المدى المتوسط ليصل حجمها إلى 70.5 مليار دولار بحلول عام 2025، مع نمو متوقع لتجارة التجزئة في المتاجر بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.7%.
وفي الواقع، أظهر المتسوقون سرعة كبيرة في العودة إلى المتاجر بمجرد إعادة افتتاحها. كما يمثل زخم المتسوقين المرتفع على تجارب التسوق الرائعة التي شهدتها دورة هذا العام من “مفاجآت صيف دبي” مجرد مثال واحد يؤكد على الاتجاه الإيجابي الذي انطلق تزامناً مع البدء بتخفيف القيود قبل عام تقريباً.
وفي حين رحب العديد من المستهلكين بالعودة إلى نموذج تجارة التجزئة التقليدية، شهد نموذج أعمال التجزئة تطوراً لافتاً إلى حد كبير – سواء خلال فترة انتشار الجائحة أو بينما كانت القطاعات تتطلع للتعافي خلال فترة ما بعد الجائحة. ودون أدنى شك، لن تمثّل اتجاهات التجارة الإلكترونية التي سيطرت على المشهد خلال فترة الجائحة مجرد تغيير مؤقت في سلوك المستهلك، بل من المتوقع أن تواصل اكتساب الزخم في المستقبل.
وبطبيعة الحال، لاحظنا في “جلف ماركتنج جروب” تحولاً ملموساً في سلوكيات العملاء مع عودتهم للتسوق. وسجلت المبيعات المجمعة لمتاجر التجزئة والمتاجر الإلكترونية ضمن قسم المستلزمات الرياضية في الشركة نمواً بنسبة 25% خلال شهر رمضان المبارك 2021 مقارنة بالفترة ذاتها قبل الجائحة. وبدورها، سجلت مبيعات منصات التجارة الإلكترونية التابعة لذات القسم نمواً بنسبة 200% خلال الشهر الفضيل مقارنة مع الشهر السابق. وتظهر الأبحاث الخارجية اتجاهاً مشابهاً؛ حيث يشير التقرير الأخير الصادر عن شركة Checkout.com، المزود الرائد عالمياً لحلول الدفع عبر الإنترنت، إلى أن حوالي 47% من المستهلكين في المنطقة يتوقعون إجراء المزيد من عمليات التسوق عبر الإنترنت خلال عام 2021 قياساً بالمستويات المسجلة خلال ذروة تفشي الجائحة خلال عام 2020.
ولا يعني هذا الأمر أن التجارة الإلكترونية ستحل محل المتاجر التقليدية، بل على العكس تماماً. ففي معظم أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي، تعتبر مراكز التسوق جزءاً من النسيج الاجتماعي. ولا يقتصر الغرض من هذه المراكز على أنشطة التسوق فحسب، بل تعتبر بمثابة بيئة مفضلة للتفاعلات الاجتماعية بجميع أنواعها. وعلاوة على ذلك، تعتبر مراكز التسوق هنا من بين مناطق الجذب السياحي الرئيسية، حيث يستقبل “دبي مول” في دولة الإمارات وحده أكثر من 80 مليون زائر سنوياً.
ولقد شهدنا خلال الآونة الأخيرة ولادة نموذج متعدد القنوات يتمتع بقدر أكبر من القوة ويوظف الابتكارات الرقمية التي ظهرت خلال العام الماضي ويتعايش مع الدور الاجتماعي للتسوق في المتاجر.
وفي كثير من الأحيان، نلاحظ أن العملاء يستخدمون منصاتنا الإلكترونية للبحث عن البضائع، ثم يقومون بزيارة المتجر لرؤية وتفحص هذه البضائع على أرض الواقع وإتمام عملية الشراء. وغالباً ما يمتلك هذا النوع من العملاء معرفة ودراية أوسع، لذلك يكون تفاعلهم مع موظفينا أكثر جاذبية وفائدة. وفي إطار نموذج تجارة التجزئة هذا، نتوقع تطور نموذج “استلمها بنفسك” (click-and-collect)، حيث يقوم المستهلكون بشراء المنتجات عبر الإنترنت واستلامها من المتجر خلال زيارتهم القادمة لمركز التسوق سواءً لتوصيل الأطفال إلى السينما أو مقابلة أحد الأصدقاء لتناول القهوة.
ونجد أنفسنا في الوقت الراهن أمام فرصة كبيرة للاستفادة ن وسائل التواصل الاجتماعي للتسوق عبر الإنترنت. إذ تستخدم “التجارة الاجتماعية” (sCommerce) قنوات التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”سناب شات” كوسائل لتسويق وبيع المنتجات والخدمات. وتكشف إحصائيات إحدى الدراسات عن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على المشهد في الكويت وقطر والإمارات، حيث تبلغ نسبة مستخدميها 99% من إجمالي مستخدمي الإنترنت في هذه الدول. وفي الواقع، يتوقع الخبراء أن التجارة الاجتماعية ستمثل أحد الاتجاهات الرئيسية للتجارة الإلكترونية في المنطقة على مدى العامين إلى الخمسة أعوام القادمة. كما أشار 14% من الأشخاص المشمولين بالدراسة إلى أنهم غالباً ما يقومون بإجراء عمليات التسوق عبر الإنترنت باستخدام أحد تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي. ويشير تقرير حديث صادر عن شركة “سناب شات” أن “جيل سناب شات” في دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية فقط يمتلك قوة شرائية تقدر بنحو 425 مليار دولار. وبصرف النظر عن التجارة الإلكترونية التقليدية، يمكن لاتجاه التجارة الاجتماعية هذا أن يفتح الباب أمام تحقيق عائدات جديدة تقدر بالملايين.
في نهاية المطاف، تفرض الأحداث التي شهدها العام الماضي علينا أن نعيد صياغة نموذج تجارة التجزئة في دول مجلس التعاون الخليجي بصورة تتسم بالمزيد من الوعي. ولا يعتبر الاستخدام البسيط لقنوات التسوق المختلفة – سواء كانت مادية أم رقمية – بالأمر الجديد. كما أنه لا يمثل الهدف المرجو، حيث أنه في ظل تسارع وتيرة التعافي من “كوفيد-19″، يتمحور الجانب الأكثر أهمية حول كيفية قيام علامات التجزئة بصياغة المزيج المثالي الذي يستفيد من قدرات هذه القنوات ويسخرها لصالح عملائهم ، وهو ما يثمر في النهاية بتقديم تجارب أصيلة ومتميزة للعملاء. ومن شأن الوصول إلى هذا التوازن الصحيح أن يمكن الشركات من جني العائدات جراء انتعاش مستويات الإنفاق الاستهلاكي مع ترسيخ مكانة المنطقة كوجهة دولية جذابة لتجارة التجزئة.