بقلم محمد باقر، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة “جي أم جي”
لم يكن الاحتفال الأخير باليوبيل الذهبي لدولة الإمارات العربية المتحدة مجرد مناسبة لاستذكار إنجازات الماضي والاحتفاء بما حققته الدولة من تقدم وازدهار كبيرين منذ إعلان الاتحاد، فقد وجهت هذه المناسبة الفريدة أنظارنا أيضاً نحو المستقبل سعياً للتنبؤ بما ينتظرنا من إنجازات استثنائية ولحظات تاريخية جديدة خلال الخمسين عاماً المقبلة. وخلال الأشهر القليلة الماضية، تابع الكثير منا في مجتمع الأعمال الإماراتي الأخبار والإعلانات ذات الصلة بمبادرات “مشاريع الخمسين” على وجه الخصوص باهتمام شديد. وبينما شهدت الأعوام الخمسين الأولى من عمر دولة الإمارات إنجازات استثنائية أتاحت لنا تحقيق الازدهار على المستوى المحلي وتوسيع حضورنا على المستوى العالمي، تواصل “مشاريع الخمسين” قيادة رحلة التحول المذهلة هذه.
وباعتبارها تجسّد مركزاً عالمياً متنامياً لتبادل المعرفة، لطالما احتضنت الإمارات روح ريادة الأعمال لدرجة أن نجاحها في هذا المجال أصبح مضرباً للمثل على الصعيد الدولي. وخلال وقت سابق من هذا العام، تبوأت الإمارات المرتبة الأولى إقليمياً والرابعة عالمياً على “مؤشر ريادة الأعمال العالمي” (GEI) لعام 2020. كما احتلت الدولة المرتبة الأولى إقليمياً على “مؤشر سهولة ممارسة الأعمال” الصادر عن مؤسسة “البنك الدولي”. وقد تحققت جميع هذه الإنجازات قبل الإعلان حتى عن “مشاريع الخمسين”.
وفي حين يعتبر كل واحد من “مشاريع الخمسين” متميزاً ومثيراً للإعجاب بطريقته الخاصة، إلا أن أكثرها تميزاً هي تلك المشاريع التي تسهل ريادة الأعمال في دولة الإمارات وتعزز مساهمتها في تحقيق أهدافنا الوطنية.
وبالنسبة لمواطني الدولة، سيشهد مشروع Project 5Bn تخصيص 5 مليارات درهم لدعم المشاريع الإماراتية في القطاعات ذات الأولوية. ولن يقتصر دور هذا المشروع على دفع عجلة استحداث فرص العمل عبر جميع مفاصل المجتمع فحسب، بل سيمنح رواد الأعمال الإماراتيين أيضاً الوسائل والأدوات اللازمة لاختبار الأفكار الجريئة ومواصلة تحسينها حتى في حال لم يكتب لها النجاح في البداية. وبدورها، ستدعم مشاريع كهذه هدف “مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية” لإنشاء 75 ألف فرصة عمل في القطاع الخاص للمواطنين الإماراتيين مع حوافز تتيح لهم الحصول على الدعم الذي يحتاجون إليه لتحقيق النجاح والازدهار.
وبالإضافة إلى توظيف الإماراتيين في القطاع الخاص، لا يمكننا أبداً التقليل من أهمية توفير تأشيرات الإقامة المناسبة لاستقطاب المواهب الدولية. وعلى سبيل المثال، سيسهم “نظام الإقامة الخضراء” الجديد في استقطاب المستثمرين ورواد الأعمال والأفراد ذوي المهارات العالية والطلاب المتفوقين والخريجين المتميزين من خلال منحهم حالة الإقامة الذاتية. كما سيجذب نظام الإقامة الحرة الأولى من نوعها على المستوى الاتحادي المزيد من العاملين بشكل مستقل لحسابهم الخاص في عدد من المجالات التخصصية سواء كانوا من المقيمين في الدولة أم خارجها. وسيسهم كلا النوعين من تأشيرات الإقامة في تمكيننا من إرساء الأسس لقوة عاملة من الأفراد ذوي المهارات العالية القادمين من خلفيات متنوعة والقادرين على المساعدة في بناء وتطوير الأعمال والشركات التجارية في الدولة.
ومن بين “مشاريع الخمسين” الأخرى التي تنطوي على أهمية بالغة بالنسبة لرواد الأعمال، تبرز اتفاقيات الشراكة بين الحكومة الإماراتية والأسواق العالمية. وفي هذا العالم المترابط، لا يمكن لأي دولة أن تعتبر نفسها جزيرة منعزلة، وتدين دولة الإمارات بالكثير من الازدهار الذي حققته إلى الروابط الاقتصادية القوية التي تجمعها بدول المنطقة والعالم. ومن شأن التزام حكومة دولة الإمارات بإبرام اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة مع ثمانية أسواق عالمية رئيسية أن يفضي إلى تحقيق زيادة سنوية بواقع 4 مليار درهم إماراتي في أحجام التعاملات التجارية الحالية للدولة مع هذه الأسواق. وسيسهم هذا الأمر دون أدنى شك بتوفير الكثير من الفرص الرائعة لرواد الأعمال الإماراتيين ممن يطمحون للوصول إلى العالمية.
وعبر هذه المشاريع المتنوعة، لعب نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص بشكله المتطور للغاية في دولة الإمارات دوراً رئيسياً في التقدم المحرز على صعيد تحقيق الأهداف الوطنية الرامية لتطبيق نموذج اقتصادي تنافسي ومستدام. وفي المقابل، استفاد القطاع الخاص في الدولة بشكل كبير من نماذج توليد الإيرادات الجديدة، في أثناء توسيع خبرته الجماعية على صعيد إدارة المشاريع العامة في مجالات النقل والتعليم والصحة وغيرها الكثير.
وبالنظر إلى جميع هذه العوامل، يجسّد الوقت الراهن فرصة مثالية بالنسبة للأفراد من أجل استكشاف المشاريع الجديدة في القطاع الخاص الإماراتي، ويعتبر قطاع تجارة التجزئة واحداً من أبرز الأمثلة على ذلك. ولم يكتف “المؤشر العالمي لتطور تجارة التجزئة” الأخير لعام 2021 الصادر عن شركة الاستشارات الرائدة “كيرني” بتصنيف دولة الإمارات في المرتبة الأولى من حيث الإنفاق على التجزئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فحسب، بل سلط الضوء أيضاً على ما تتمتع به الدولة من بنية تحتية مزدهرة للتجارة الإلكترونية ومنظومة خدمات لوجستية قوية وغيرها من العوامل التي من شأنها أن ترسم ملامح مسار واضح لنمو ريادة الأعمال ونجاحها خلال السنوات المقبلة.
وتعتبر “جي أم جي” مثالاً حيّاً على روح ريادة الأعمال التي تتحلى بها الدولة. فبعد أن كان حضورها يقتصر على متجر يتيم في دبي، تعتبر “جي أم جي” اليوم تكتلاً عالمياً مزدهراً يمثل العديد من العلامات التجارية الرائدة على مستوى العالم – ويؤسس العديد من علاماته التجارية الخاصة. ومن خلال أنشطة كهذه، يمكننا المساهمة في تنويع القطاع الخاص الإماراتي ورد الجميل لدولتنا من خلال دعم أهداف وطنية مثل الأمن الغذائي والترويج لأنماط الحياة النشطة ودعم الصحة الجيدة.
وبات رواد الأعمال الناشئون في دولة الإمارات يتمتعون بالقدرة على إحداث الفارق أكثر من أي وقت مضى. فقد أصبحوا قادرين على تحمّل المخاطر المحسوبة والسعي لتطبيق الأفكار التي تنطوي على تأثير عالمي حقيقي. ولا توجد أي حدود لما يمكن تحقيقه في بيئة اليوم التي تركز على المستقبل.