بقلم روي نصر الله، نائب رئيس التسويق في جي أم جي
لطالما كان لشهر رمضان تأثير واضح على عادات التسوق، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا نوعيًا في سلوك المستهلكين، ما غيّر ملامح قطاع التجزئة بشكل لافت.
ورغم استمرار الإقبال على المواد الغذائية الأساسية ومستلزمات إعداد الموائد الرمضانية، فإن المشهد الاستهلاكي يشهد تطورًا أعمق يعكس تحولات نمط الحياة، والضغوط الاقتصادية، وتغير أولويات الأفراد.
لم تعد هذه الاتجاهات تقتصر على ما يملأ عربات التسوق حاليًا، بل ترسم ملامح مستقبل قطاع التجزئة في المنطقة.
الرقمية، والاجتماعية، والجيلية، والمزيد
في ظل سعي المستهلكين لموازنة بين متطلبات العمل، والصيام، والالتزامات الدينية، أصبحت قنوات البيع بالتجزئة الرقمية عنصرًا أساسيًا خلال شهر رمضان.
إذ أظهرت الدراسات أن 70% من المتسوقين في دول مجلس التعاون الخليجي يتوجهون إلى التسوق عبر الإنترنت في هذا الشهر الفضيل، ما يبرز الدور المتزايد للمنصات الرقمية. وعلاوة على ذلك، تشهد التجارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ازدهارًا كبيرًا، حيث يشير 61% من المستهلكين في السعودية والإمارات إلى أنهم يفضلون التسوق عبر منصات مثل إنستغرام وتيك توك خلال رمضان.
جيل زد وجيل الألفية، المُولَدان في عصر التقنيات الرقمية، يتوقعون معاملات سلسة وتجارب مُخصصة للغاية، بالإضافة إلى تفاعل اجتماعي مُسبق للشراء عبر منصات التواصل الاجتماعي. في المقابل، لا يزال جيل إكس وجيل طفرة المواليد يُقدِّرون التسوق التقليدي في المتاجر، حيث يعطون قيمة كبيرة للتجارب الفعلية والجماعية في رمضان.
يشهد قطاع التجزئة التجريبي ازدهارًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث أصبح الإقبال على المتاجر المؤقتة يتزايد بشكل مستمر. كما أنه يبدو أن المستقبل يحمل في طياته تحولًا جذريًا، حيث ستصبح تجارب التسوق المخصصة محورًا أساسيًا لجميع الأجيال، مع تطلعات المستهلكين لأن يقدم تجار التجزئة تجارب فريدة، مصممة خصيصًا لتلبية احتياجاتهم الفردية، مهما اختلفت أعمارهم.
بالنسبة للعلامات التجارية، يُعتبر اعتماد نهج متعدد القنوات أمرًا حيويًا، حيث يجب التركيز على جذب عمليات الشراء الرقمية الاندفاعية، مع تحسين تجارب التسوق داخل المتجر لضمان استمرارية جاذبيتها عبر الأجيال. ومن المتوقع أن يصبح مصطلح “التسوق الرقمي” أحد المصطلحات الأساسية في قطاع التجزئة لعام 2025، حيث يمثل نهجًا هجينًا يلبي توقعات المستهلكين من خلال تقديم تجربة تسوق سلسة عبر قنوات متعددة، متجاوزًا بذلك أسلوب التسوق المنعزل الذي كان سائدًا في الماضي.
يُعتبر الاستفادة من الشراكات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وإنشاء محتوى جذاب وأصيل، مصمم خصيصًا لشهر رمضان، أمرًا بالغ الأهمية للبقاء على تواصل مع الجمهور.
من التغذية التقليدية إلى التغذية الدقيقة
لطالما تطلب صيام رمضان تخطيطًا دقيقًا للوجبات، إلا أن هذا التوجه أصبح أكثر تطورًا. يولي المستهلكون الآن اهتمامًا كبيرًا بـ “التغذية الدقيقة”، حيث يختارون الأطعمة التي تعزز طاقتهم، وتحسن من عملية الهضم، وتساعد في الحفاظ على الترطيب خلال ساعات الصيام. تشير دراسة أجرتها شركة يوجوف إلى أن 69% من سكان الإمارات العربية المتحدة يبحثون بنشاط عن خيارات غذائية صحية خلال شهر رمضان، ولكن ما يميز هذا العام هو الزيادة في الطلب على الأطعمة التي تحمل فوائد وظيفية محددة.
يشهد الطلب على الأطعمة الغنية بالبروتين، والكربوهيدرات بطيئة الامتصاص، والمكونات المعززة للترطيب ارتفاعًا ملحوظًا. وقد بدأت المشروبات المدعمة بالإلكتروليتات، والبروتينات النباتية، والأطعمة الغنية بالألياف تحل محل المكونات التقليدية الثقيلة. وفي استجابة لهذا الاتجاه، يقوم تجار التجزئة بتخصيص أقسام خاصة بالصحة والعافية، تقدم أطعمة مصممة لدعم الطاقة المستدامة وصحة الأمعاء.
ولا يقتصر الاهتمام على الطعام فقط. فقد أظهرت دراسة أجرتها ماستركارد زيادة بنسبة 24% في الإنفاق على منتجات الصحة والعافية، بما في ذلك المشتريات المتعلقة باللياقة البدنية، مثل المعدات الرياضية وأدوات التمرين المنزلية.
ويُظهر ذلك تزايد الاتجاه نحو اتباع نهج شامل لتحقيق الصحة والعافية خلال شهر رمضان، حيث يتكامل التركيز على التغذية السليمة مع الاهتمام بالنشاط البدني.
التجزئة والاستهلاك المسؤول خلال شهر رمضان
استمرارًا في تبني ثقافة اليقظة الذهنية، من المتوقع أن تتزايد المبادئ البيئية والاجتماعية والحوكمة، مع تسليط الضوء على الأعمال الخيرية والعطاء خلال شهر رمضان، وزيادة الوعي بالمسؤولية الاجتماعية.
ستتسارع عادات الاستهلاك الواعية، حيث سيعزز المستهلكون دعمهم للعلامات التجارية التي تتمتع بمصداقية بيئية قوية.
العلامات التجارية التي تتماشى مع القيم الخيرية قادرة على بناء روابط قوية مع جماهيرها، مما يعزز المشاركة ويزيد من مستويات ولاء العملاء.
في إطار التزامها بالمسؤولية البيئية والاجتماعية والحوكمة، تضم خطط مجموعة جي أم جي الرمضانية لعام 2025 مبادرة “شارك الخير” بالتعاون مع دبي القابضة، بالإضافة إلى مبادرة “شارك الوجبة” لصالح برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.
من الطبيعي أن يختار المستهلكون في دول مجلس التعاون الخليجي التفاعل بنشاط مع الشركات التي تساهم في القضايا الاجتماعية خلال شهر رمضان، سواء من خلال التبرعات أو المبادرات المجتمعية أو الحملات التي تدعم القضايا المهمة. كما أن العلامات التجارية التي تعطي الأولوية للأصالة وتضمن أن العطاء جزء لا يتجزأ من رسائلها ستكون أكثر تأثيرًا في مشهد البيع بالتجزئة في المنطقة.
آفاق تجارة التجزئة خلال شهر رمضان وما بعده
تدل هذه الاتجاهات على تحولات أوسع وأكثر استدامة في سلوك المستهلك. يُعتبر شهر رمضان فرصة مميزة للتواصل مع المستهلكين على مستوى أعمق وأكثر تأثيرًا.
مع التغير السريع في عادات التسوق، فإن العلامات التجارية التي تستمع إلى عملائها وتستجيب بسرعة للتحولات ستتمكن من زيادة مبيعاتها وبناء علاقات طويلة الأمد تتجاوز الزيادة الموسمية.
من خلال تبني التفاعل الرقمي والتجريبي، وتلبية احتياجات المستهلكين المهتمين بصحتهم، واعتماد ممارسات مستدامة، وتعزيز قيم الكرم والعطاء، يمكن للعلامات التجارية أن تبرهن على نفسها كشريك موثوق طوال شهر رمضان وما بعده.