بقلم محمد باقر، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة “جي إم جي”
كشف مؤشر الشركات العائلية، الصادر عن شركة “إرنست آند يونج” وجامعة سانت غالن لعام 2023، عن زيادة ملحوظة قدرها 10% في إيرادات الشركات العائلية العالمية، والتي سجلت معاً إيرادات مذهلة بقيمة 8.02 تريليون دولار، متجاوزة بذلك معدلات النمو المسجلة في كل من اقتصادات الأسواق المتقدمة والناشئة. وهذا يوضح بلا شك المساهمة المالية الكبيرة للشركات العائلية داخل المنطقة، وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تمثل الشركات العائلية العصب الأساسي للاقتصاد.
وأكد تقرير حديث صادر عن مجلة “أريبيان بزنس” بخصوص الشركات العائلية في الشرق الأوسط، تأثير هذه الشركات على اقتصاد دول الخليج. وبحسب التقرير، تعتبر الثقافة محرك النجاح التجاري التقليدي للشركات العائلية في المنطقة، حيث أشار إلى أن الثقة والعلاقات العائلية توفر أساساً متيناً لنمو واستمرارية هذه الشركات.
وفي حين تبقى هذه القيم أساسية لاستراتيجيات الشركات، فقد تغيرت بيئة العمل بطرق غير مسبوقة في السنوات الأخيرة. ولا يمكن إلا لخطة التعاقب القيادي المناسبة أن تضمن الانتقال السلس إلى الجيل التالي وتجنب ما يسمى“لعنة الجيل الثالث”، حيث لا يصمد سوى عدد قليل من الشركات العائلية حتى الجيل الثالث. وفي الواقع، يظهراستطلاع أجرته شركة “برايس ووترهاوس كوبرز” أن 33% فقط من الشركات العائلية في المنطقة لديها خطة تعاقب قيادي قوية وموثقة وسلسة، مقارنة بـ 55% على مستوى العالم. ويمكن أن تكون عواقب هذه الفجوة كارثية، حيث تساهم الشركات العائلية في دولة الإمارات بنسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة و80% من القوى العاملة.
ولهذا السبب فإن المبادرات مثل برنامج دبي لإدارة الشركات العائلية، الذي يدعمه سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، تعتبر ضرورية كونها تهدف إلى تمكين الجيل القادم من قادة الشركات العائلية. وتتوافق هذه المبادرة مع أجندة دبي الاقتصادية كما تعزز مكانة المدينة كمركز تجاري عالمي.
ورغم تنفيذ مثل هذه المبادرات، لا يوجد حتى الآن حل سحري يضمن التعاقب القيادي السلس؛ لكن تجربتنا تنطوي على بعض المبادئ التي أثبتت جدارتها بهذا الخصوص.
الخطوة الأولى هي البدء مبكراً. التعاقب القيادي ليس سباقاً سريعاً، بل ماراثوناً. إنه عملية مستمرة تبدأ حتى قبل أن يتولى الجيل الجديد القيادة بوقت طويل. فعلى سبيل المثال، أنا شخصياً بدأت العمل في شركتنا العائلية “جي إم جي” عام 2010، وقضيت السنوات الست الأولى أستكشف مختلف جوانب العمل. وقد ساعدني ذلك كثيراً عندما تسلمت زمام الأمور من والدي عبد العزيز باقر. لذا، يجب على أصحاب الشركات العائلية بدء الحوار مع خلفائهم المحتملين وأصحاب المصلحة الآخرين في أقرب وقت ممكن ومشاركتهم عملية صنع القرار.
ثانياً، يجب أن يتماشى التعاقب القيادي مع رؤية الشركة وقيمها، والتي يجب تحديدها بوضوح. ويجب على أصحاب الشركات العائلية إيضاح أهدافهم وتوقعاتهم المستقبلية للشركة، بالإضافة إلى موروثهم وتطلعاتهم الشخصية. لقد كان والدي مثابراً وطموحاً. لم يقبل يوماً بكلمة “لا”، وعلمني منذ البداية أن “جي إم جي” تزدهر بنجاح شركائها. وبقيت هذه القيم جزءاً لا يتجزأ من هويتنا حتى يومنا هذا.
ثالثاً، ينبغي أن يستند التعاقب القيادي إلى تقييم واقعي لقدرات واستعداد الخلفاء المحتملين، فضلاً عن الوضع الحالي واحتياجات العمل. ويجب على المالكين تقييم مهارات ورثتهم وخبراتهم وشخصياتهم ودوافعهم، وكذلك تحديد أي فجوات أو مجالات للتحسين. وفي بعض الأحيان، قد يستلزم ذلك البحث عن أشخاص خارج نطاق العائلة بمن فيهم المستشارين المتخصصين، مثل محامي المديرين أو المحاسبين أو المستشارين، لتقديم توجيهات موضوعية ومحايدة من الخبراء الذين يدركون السياق والتحديات المرتبطة بمجال عمل كل منهم. ويجب عليهم أيضاً الاستفادة من أفضل الممارسات والمعايير المتبعة في الشركات العائلية الأخرى الناجحة سواء في المنطقة أو على مستوى العالم.
وأخيراً، يتعين على المالكين وضع خطة استراتيجية واضحة وتنفيذها. وينبغي أن يثمر التعاقب القيادي عن استراتيجية واضحة ومفصلة تحدد أدوار ومسؤوليات الخلفاء، بالإضافة إلى الجدول الزمني والمراحل الرئيسية لعملية الانتقال. ويجب على أصحاب الشركات العائلية تنفيذ الخطة بشكل تدريجي ومنتظم، بما يضمن التسليم السلس لمهام الملكية والإدارة. ويجب عليهم أيضاً مراقبة وتقييم تقدم وأداء الخلفاء، وتقديم الملاحظات والدعم المطلوب في غضون ذلك.
ومما يدعو للتفاؤل هو أن الجيل الجديد من قادة الأعمال في منطقة الخليج العربي أصبحوا أكثر انسجاماً مع مشهد الأعمال المتطور. فعلى سبيل المثال، يعد الجيل الأصغر من قادة الشركات العائلية في الشرق الأوسط من بين الأكثر اهتماماً ومعرفة واندفاعاً فيما يتعلق بمناقشة قضايا الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، وهي أولوية وطنية للعديد من دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة. وبحسب تقرير صادر عن شركة “برايس ووترهاوس كوبرز”، يشعر 58% من المسؤولين التنفيذيين الشباب لدى الشركات العائلية في الشرق الأوسط أن شركاتهم العائلية قادرة على إرساء معايير الأعمال المستدامة.
الأمر الذي يهيئ هذه المؤسسات لتحقيق نجاح أكبر. فعندما طلب مني والدي تولي منصب الرئيس التنفيذي، قبلت الدور، ولكن بشرط واحد – ألا يتدخل مجلس الإدارة لمدة عام كامل، ويتيح لي فعل ما أريد. وكان هذا أفضل قرار اتخذناه أنا و”جي إم جي” على الإطلاق. ففي عامي الأول كرئيس تنفيذي، بدأت التمهيد ووضع الأساس لطموحاتنا الجريئة واستراتيجية النمو العالمية.
وتحرص حكومة الإمارات العربية المتحدة على تعزيز هيكلية الشركات العائلية. وقد أصدرت الدولة مرسوماً بقانون اتحادي بشأن الشركات العائلية العام الماضي، ليقدم لوائح وتوجيهات تضمن استدامتها وتساعد على تنويع أنشطتها في مختلف قطاعات الأعمال، خاصة في مجال الاقتصاد الجديد. وكانت الحكومة قد أطلقت في وقت سابق برنامج “ثبات فينتشر بيلدر” الذي يهدف إلى مضاعفة مساهمة الشركات العائلية في الناتج المحلي الإجمالي للدولة إلى 320 مليار دولار بحلول عام 2032، ومساعدة هذه الشركات في أن تصبح أكثر ابتكاراً مع تبني تقنيات جديدة.
وتتمتع الشركات العائلية في دولة الإمارات بفرصة فريدة للاستفادة من موروثها الثقافي، وخلق قيمة دائمة لها ولمجتمعاتها. ومن خلال اعتماد الممارسات المناسبة للتعاقب القيادي السلس، يمكن لهذه الشركات ضمان مرونة أعمالها ومواءمتها لاحتياجات الأجيال القادمة.